Excerpt for أسرار الجرْس في الشّعر العربي العمودي by , available in its entirety at Smashwords

جميع الحقوق محفوظة

يُحظر طبعُ أو بيع أو تصويرُ أو ترجمةُ أو إعادة تنضيد الكتاب كاملا أو مجزّأ –بما فيه الغلاف و حتوياته- أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على أسطوانات ضوئيّة, أو بأيّ شكل من الأشكال أو طريق من الطّرق, إلّا بموافقة خطّيّة من المؤلّف.




All rights resevred

. 2017- فكّير سهيلCopyright

2017- Copyright– FEKIR Souhil

Email: souhil1111@yahoo.com


Distributed by Smarshwords


Smashwords Edition, License Notes

This ebook is licensed for your personal enjoyment only. This ebook may not be re-sold or given away to other people. If you would like to share this book with another person, please purchase an additional copy for each recipient. If you’re reading this book and did not purchase it, or it was not purchased for your use only, then please return to your favorite ebook retailer and purchase your own copy. Thank you for respecting the hard work of this author.



الفهرس

مقدمة


اللّبنة الأولى: الأساس العلمي للدّراسة

الخطّ الأوّل: مفاهيم و مصطلحات عامّة

الخطّ الثّاني: مفاهيم و مصطلحات خاصّة

الخطّ الثّالث: المنهج العلميّ للدّراسة


اللّبنة الثّانية: الدّراسة التّطبيقيّة و التّأسيس التّنظيري

الخطّ الأوّل: الدّراسة الإيقاعيّة الأبحريّة

الخطّ الثّاني: الدّراسة الإيقاعيّة الصّفاتيّة

الخطّ الثّالث: الدّراسة الإيقاعيّة الحركيّة و المقياس الإيقاعي الثّلاثي


خَاتمَة

المراجع

فهرس الموضوعات



مقدّمة


إنّ الحمد لله, نحمده و نستعينه و نستغفره, و نعوذ بالله من شرور أنفسنا و سيّئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضلّ له, و من يضلل فلا هادي له, و أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له, و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله, و صلاة الله و سلامه عليه, و على آله و صحبه و إخوانه إلى يوم الدّين.......

أمّا بعد,

إنّ من أسباب الحفاظ على إرثنا الحضاريّ, و تميّزه و تفوّقه على سائر الثّقافات, بما يحويه من مكوّناتٍ و مقوّماتِ الرّقيّ و الاستمرار, و ما يختصّ به في وقتنا هذا من إرساء للأخلاق و سبك للأرزاق و تقويم للأسواق, هذه العناصر اللّازمة لبناء كلّ حضارة و تقويضٍ لكلّ قذارة و تقويدٍ لكلّ إمارة, الاعتناءُ بماضيه و اختبار ما فيه و التّطلّع لمستقبله و الاستعداد لما يخفيه. و من أهمّ ما تُعنى به الأمم على اختلاف مللها و نحلها و تنوّع ألسنها و تعدّد مشاربها, الأدب و ما يملكه من فروع و الفكر و ما ينتجه من دروع. فأخلق بنا الاهتمام بأدبنا و فنون لغتنا و استغلال دررنا و ترصيع تحفنا, و تنقيّتها من كلّ شوب و لغْب. و ممّا ينبغي الاعتناء به الشّعر و علومه و هو ذاك الشّطر من الأدب و جذورُه, و الطِّيب منه و عطورُه, و الأبيات فيه و قصورُه. و قد أدرك هذا سلفنا فدرسوا ما فيه قبلنا, و اختصروا لنا الطّريق و عبّدوه و حفظوا لنا العتيق و أبّدوه. و ما علينا اليوم سوى اتّباع ما فعلوه و مواصلة ما وجدوه فليس الخير في مخالفة ما عليه اتّفقوا و لا الشّرّ في متابعة ما فيه اختلفوا. و ممّا لنا مهّدوه و سبقوا من قبلهم و قرّروه أنْ للشّعر أوزان كما له أفراح و أحزان, و له نغم و أجراس و لو خطّه بنان و سجّله قرطاس, فما طاقته الأعاجم و لو طالته المزاعم, و هذا بعض مقدّمة فيما على قارئه أن يعلمه.........

هذا و قد رأينا من تماما الاعتراف بالجميل إبراز أحاسن و محاسن أعمالهم و دورها في الأدب و ما نقلته عنّا سائر الأمم, و وجدنا أنّ خير طريق لذلك مواصلة مجهوداتهم بالبحث فيها و التّنقيب عن أسرارها ليتسنّى لنا بعدُ استغلالها و توسيع أطرها و مدّ جسورها. فكان من الواجب الاهتمام بالجرس في الشّعر في ظلّ ما لاحظناه من قلّة في البحوث و نقص في الاهتمام1, و عدم كفاية في شرح أسبابه و اكتشاف أسراره.

و قد ارتأينا تسميّة الكتاب بأسرار الجرْس (بتسكين الرّاء), من الصّوت و خفيّه, لما يكتنف هذا العنصر من غموض و ما يحدثه من تساؤلات و تأويلات, فكان لفظ "أسرار" مناسبا لهذا الموضع و معبّرا عن محتوى البحث و نتائجه.....

و إنّ من أوّل ما نطرق بابه في هاته الدّراسة هو الأوزان التي وضعها العالم الجليل, إمام العروضيّين و شيخ النّحاة و أمير المخارج و الصّفات, الخليل ابن أحمد الفراهيدي (100- 170 ه) –رحمه الله تعالى- كونها أصل إنشاء الشّعر و تميّزه عن سائر الفنون. و منها مبدأ الجرس و فيها أسراره, و عندها تجتمع جميع الإيقاعات المشكّلة للشّعر.

و مع هذا فإنّ تفسير الجرس لا يقتصر على هاته الأوزان, فهو يشمل عناصر أخرى منها صفات الحروف و مخارجها حيث ارتأينا اختبار أثرها عليه و مدى استجابته لها. و كذلك حركات الحروف و دورها فيه و هو ما نحسبه عاملا جديدا لم يُتطرّق إليه من قبل, مع ما تحدثه هاته العنصر جميعها من تفاعل مع المعنى و اللّغة. بالإضافة إلى عناصر أخرى ناشئة عنها.

و قد اعتمدنا في معظم ذلك مبدأ الاضطراب2 و دوره في إنشاء الجرس و كيفيّة حدوثه مع إظهار التّغيّرات الجرسيّة الحاصلة من جرّاء اختلاله. و ننوّه هنا على أنّ جلّ النّتائج و الاستخلاصات المتعلّقة بالبحث نتاج الدّراسة التّطبيقيّة, و تقتصر الفرضيّات على إقرار دور الأوزان في حدوث الجرس و صفات الحروف من جانب كمّي فحسبو لهذا كانت طريقتنا في البحث تعتمد على الاستكشاف (من التّجربة) و من ثمّ البحث على ما يشهد له في الدّراسات و الكتب السّابقة, و قد وضعنا معظم هاته الاستشهادات في هامش الصّفحات موسومة بالبنط العريض. و من مزايا هذا النّهج التّخلّص من كلّ تأثيرات قبليّة (عدا الفرضيّتين) ناتجة عن معلومات سابقة.

و لتحقيق هذا, أوضحنا في أوّل لبِنة3 الأساس العلمي للدّراسة و الذي يؤسّس للمراحل المواليّة, حيث وضعنا فيها ما يلزم من مفاهيم و مصطلحات متعلّقة بالبحث و منهج متّبع حتّى يتسنّى فهم و متابعة مختلف أجزائه و نتائجه. و يستحسن الرّجوع إلى مراجعة هاته المرحلة بعد الانتهاء من الكتاب كونها تحتوي على معلومات و شروحات نظريّة ربّما يعتريها شيء من الإبهام, حتّى إذا ما أتمّ القارئ بقيّة الأجزاء و اتّضحت له جميع العناصر, رجع إليها بالقراءة ففهم منها ما استشكل عليه في البداية, و رسخت في ذهنه تلك المفاهيم و المصطلحات.....

و قمنا في اللّبنة الثّانيّة بدراسة تطبيقيّة لمعلّقة شهيرة و هي معلّقة امرئ القيس, كأساس للبحث يُستخرج منه مختلف النّتائج, ابتداء من الأوزان و انتهاء بالحركات و المقياس الإيقاعي الثّلاثي. و هي تشكّل أحد رموز الشّعر العربي بما تحتويه من مكوّنات بما فيها الإيقاع و لهذا جعلناها نموذجا في دراستنا.

و قد حاولنا في أثناء ذلك الإجابة على مختلف التّساؤلات التي يمكن أن تعتري القارئ و تشكّل غموضا أو فراغا بإعطاء التّعليلات اللّازمة. و التزمنا التّدقيق في التّرجمات الرّقميّة للوحدات الإيقاعيّة الثّلاثة و في استخراج النّتائج العدديّة منها, مع ما يمكن أن يعتري ذلك من هفوات بسبب عظم كمّيّة المعطيات و عمق مستوى التّحليلات. و نسأله تعالى في الأخير أن يجعل عملنا هذا خالصا لوجه الكريم و نافعا للأمّة و طريقا من طرق الخير.


...... الأستاذ:

سهيل فكّير

اللّبنة الأولى: الأساس العلمي للدّراسة

لكلّ دراسة كما هو معلوم قواعد تبنى عليها و تعتمدها في سائر مراحلها, من مفاهيم و مصطلحات و منهج تسير عليه, تحدّد أطرها و توضّح معالمها و طريقتها, و تجمع عناصرها و توجّهها نحو النّتائج بأفضل طريق و أنجع وسائل.

و قد وضعنا لدراستنا هاته أسسها التي ترتكز عليها و تحدّد مجالها, و تبرز خصائصها العلميّة و الأدبيّة, فجعلنا لها مفاهيم و مصطلحات عامّة و أخرى خاصّة, كما رسمنا لها نهجا بحسب طبيعتها و مقتضياتها. و تشكّل المفاهيم العامّة إطارها العامّ و حدود تبحّرها, و هي في مجملها سبق طرحها – قديما أو حديثا. و تنبثق عنها المفاهيم الخاصّة4 التي تستقلّ بها لتجسّد مفترضاتها و نتائجها. و يعتمد منهجها الاستمرار في البحث من مستوى إلى الذي يليه5 و من سبب ظاهر إلى ما هو أخفى منه, اعتمادا على ما توفّر عند كلّ منها من إشارات و دلائل6, لتحطّ رحالها عند أخر محطّة و التي تمثّل منتهى التّفسيرات و مرجع التّعليلات7....

و بهذا يتعيّن هنا بسط المفاهيم العامّة قبل الخاصّة.

الخطّ الأوّل: مفاهيم و مصطلحات عامّة

نعني بالمفاهيم و المصطلحات العامّة كما ذكرناه آنفا العناصر المشكّلة للأصل الذي تنبثق عنه دراستنا -بما له من تفرّعات- و المحدّدة للإطار الذي تندرج فيه, و ما يمثّل من أدوات و وسائل –أدبيّة- ترجع إليها في مختلف مراحلها و أجزائها. و من أهمّ ما تحويه هاته المجموعة مصطلح الجرس و ما يمثّله في الشّعر العربي, وهو ما يتعيّن البدء به كونه لبّ الدّراسة....


1-1-1

الجرس في الشّعر العربي العمودي

قبل عرض مفهومنا للجرس في الشّعر العربي, نقوم بشرحه و بيان حقيقته انطلاقا من تعاريف لعلماء و باحثين. و أوّل ما نبدأ به تعريف الفراهيدي للإيقاع الذي يعدّه " حركات متساوية الأدوار لها عودات متتاليّة8".

يتبيّن من هذا التّعريف أنّ الإيقاع منبثق عن الحركة و هي الانتقال من حال إلى حال و هي منافيّة للسّكون و الخمول, كما تتميّز بالدوريّة – و منها التّكرار- و وفق منحيات متماثلة و هذا يجسّد عنصر الانتظام. و نعدّ هذا التّعريف من أهمّ ما تُوصّل إليه بسبب عمقه و شموله لعناصر دقيقة تفسّر الإيقاع. و هذا ما وصلنا إلى أكثره بعد القيام بدراسة تطبيقيّة طويلة, و سنراه في حينها9.

و يقوم بإعطاء تعريف مقارب بينيفست بقوله "أنّ معنى الايقاع كان قد استعير من الحركات المنتظمة للأمواج...لقد تعلّم الإنسان مبادئ الأشياء من الطّبيعة, و لقد ولّدت حركة الأمواج في ذهنه فكرة الإيقاع...10". و هو ما يعبٍّر عن الحركة الدّوريّة و ما يحدث خلالها من تموّجات, غير أنّه يجعل فيما يبدو الإيقاع نتاج محاكاة حركات عناصر الطّبيعة التّموّجيّة و منه القصد في إنشائها. و لكنّا نرى أنّ الإيقاع نتاج الفطرة و الموهبة و جاء بصورة تموّجيّة اضطرارا كونها الأنسب لحدوث مثل هذا النّوع من الفنون و حصول الاستحسان. فهو ليس نتاج دراسة و تقليد بل بالعكس هو نتاج ذوق و سليقة11....

و باقتصارنا على هذين التّعريفين اللّذين ينطلقان من آليّة الإيقاع في حقيقتهما و كيفيّة حدوثهما, نمرّ إلى مفهومنا للجرس. بحيث نقرّ على أنّ الجرس نتاج الإيقاعات و اختلافاتها, فتعدّد الإيقاعات و تشكيلتها تحدّدان الجرس و جماليته....

نعرّف الجرس على أنّه ذلك النّغم الذي تحدثة القصيدة. و هو الذي يصل المتلقّي موازاة مع المعنى و الرّسائل, متمثّلا في إيقاعات متعدّدة و مختلفة فيحصل له حال جديد, كفرح بعد حزن, و تفاؤل بعد تشاؤم و غيرها, و قد يحدث له العكس فينزل من فرح إلى قرح و من فأل إلى يأس, و من سعة صدر إلى ضيق12.

و الجرس–كما هو معلوم- لا يعدّ غاية للشّعر و إنّما يأتي مصاحبا للمعاني المراد تبليغها عن طريق الألفاظ المختارة المناسبة لها, و يحلّ اضطرارا بسبب نسج تلك الألفاظ المعبّرة عن تلك المعاني, مصاحبا يحكي عنها جمالا إضافيا, و معانيَ لم تعبّر عنها, أو عجزت عن فعله, الألفاظ. و النّغم الذي تحدثه الألفاظ يتغيّر بحسب القالب الذي توضع فيه رغم حفاظها على معانيها الأصليّة ,فقد يعبَّر عن الفكرة الواحدة بطرائق متعدّدة ينتج عنها أنغام بعدد تلك الطّرائق. فالماء يصاحبه صوتُه في مجاريه13, و لكلِّ مجرى خصائص و أصوات تميّزه عن باقي المجاري, و هو لم يغيّر من طبيعته و لا من غايته.

فالجرس يحدث بسبب مجاري الأصوات التي تشقّها الألفاظ في الأذن عن طريق نسقها و ترتيبها, فيعطي لها العقل انطباعا معيّنا, و يقوم بتقييمها إمّا باستحسانها أو تركها. مثلما يقيّم الأذواق و الملامس و المنظورات و المشمومات. و لا يحدث ذلك بطريق علمي و لكن بما فُطر عليه, ومنه يُستنتج القواعد و النّماذج. و هذا من أسباب توقّف البشر عند حدودها فلا يعرف سبب استحسان النّماذج التّموّجيّة من غيرها و لا الحلو على الحامض و لكنّها مقادير قدّرها الخالق سبحانه و تعالى.

فنقول أن الجرس هو ما تصدره الألفاظ من أصوات بسبب الانتقال خلال البيت و القصيدة, و يكون تميّزه ناشئا عن طريقة ترتيب عناصرها, و لا يحصل إلّا بتوفّر المتلقّي14 حيث يقوم العقل بتقديم تفسير لها و انطباع عنها بحسب طبيعتها و ذلك التّرتيب. و له القدرة على إعطاء تفسير و تقييم جامع لجميع هاته العناصر مع ما يحدث منها من تلازم و تشابك15.

و هاته نظرة موجزة عن الجرس, مفهومه و آليته, و سنتطرّق إليه بالتّفصيل في مختلف ثنايا الدّراسة.

و يتعيّن الآن بسط بقيّة المفاهيم و أساسها و مبدؤها الشّعر.


1-1-2

الشعر العربي العمودي

هناك تعاريف عدّة للشّعر و قد اخترنا منها ما يناسب الدّراسة. و أوّل ما نعرضه هو تعريف ابن فارس الذي يرى أنّ الشّعر هو : "كلام موزون مقفّى و دالّ على معنى"16. اِنطلاقا من هذا فإنّ الشّعر كلام, إذ يقصي بذلك الإشارات و الإيماءات و الرّسومات و غيرها من وسائل التّعبير, و هو ذو معنى كما قرّره في آخر التّعريف حيث يسقط منه كلّ كلام لا يشكّل معنى. إلى حدّ هنا لا يمكننا تفريق الشّعر عن النّثر و غيره من فنون الأدب كالسّجع و المرسل, بحيث تشكّل كلّها كلاما ذا معنى. و لهذا يدرج الكاتب لفظ موزون, أي لا يكون مثل النّثر أين يجد الكاتب حرّية كاملة في تكوين النّصّ – بشرط عدم الخروج عن قواعد اللّغة- دون أن يلتفت إلى القالب النّغمي الذي يضعه فيه. و لفظ مقفّى يدلّ على اشتراط اتّباع قافية واحدة في القصيدة, و بهذا يكون خارجا عن الشّعر كلّ كلام موزن –ذي معنى- لا يستند فيه جميع الأبيات إلى قافية مشتركة.

و يعرّف ابن خلدون الشّعر على أنّه ذلك "الكلام البليغ المبني على الاستعارة و الأوصاف, المفصّل بأجزاء متّفقة في الوزن و الرّويّ, مستقلّ كلّ جزء منها في غرضه و قصده عمّا قبله و بعده, الجاري على ألسنة العرب المخصوصة به"17. هنا يضيّق الكاتب على دائرة الشّعر بحيث يميّز فيها بين الحسن و القبيح و المستحدث و الأصيل. فها هو يحدّد تشكّله من أجزاء مستقلّة و هي الأبيات, و يجعل كلّ بيت منها مختصّا بمعنى مستقلّ, فلا يصلح أن يشكّل كتلة واحدة, و هو في هذا أدقّ من التّعريف السّابق, و يشترط فيه البلاغة و المحسّنات. و هذا يوافق التفريق بين النّظم و الشّعر حيث تقلّ البلاغة أو تزيد, و منهم من يجعل من الأوّل شعرا ضعيفا و من الآخر قويّا. و يتعدّى ذلك باشتراط أن يكون المنظوم على شاكلة أشعار العرب و أساليبها, و لهذا السّبب هناك من لا يعتبر شعر المتنبّي شعرا كونه لا يكتب على هاته الأساليب و قد خالف العرب فيها رغم توفّره على جميع العناصر السّابقة....

و يظهر من التّعريفين أنّهما لا يتطرّقان إلى مسألة الإيقاع بحيث لا يخرج من دائرة الشّعر ما ضعف جرسه, و هذا مشاهد. غير أنّهما يشيران إلى ذلك بذكر الوزن و القافية إضافة إلى الأجزاء المكوّنة له. فهذان العنصران من مشكّلات الإيقاع و يعدّ الوزن أساسه و منبعه, و لكنّهما لا يحدّدان مدى جماليته و لا يفرّقان بين الحسن و القبيح, و لكنّ وجودهما منشئ له و لا بدّ. و الأجزاء هنا لها دورها كذلك في الإيقاع من أشطر18 و أبيات, و قد سمّينا الأولى بالدّورة الإيقاعيّة الصّغرى و الثّانية بالدّورة الإيقاعيّة الكبرى و هذا ما سنبيّنه في موضعه. و يمكن بهذا إضافة عنصر الجرس بقولنا و المميّز بإيقاعه الخاصّ رغم أنّه نتاج ما سبق ذكره....

و لا شكّ في أنّ للأوزان علم تستقلّ به و هو علم العروض و هو ما يتعيّن المرور به.


1-1-3

علم العروض:

يعرّف علم العروض على أنّه "العلم الذي يعرف بهم وزن الشّعر من فاسده متناولا التّفعيلات و البحور و تغييراتهما و ما يتعلّق بهما"19. و واضعه هو الخليل ابن أحمد الفراهيدي حيث حصر فيه جميع الأوزان في خمس عشر بحرا بأصول محكمة سمّاها علم العروض. و سبب تسميتها كذلك يرجع إلى عدّة أقوال نعرض منها ثلاثة, الأوّل أنّ الشّعر يعرض عليه فيعرف الفاسد منه, و الثّاني أنّ العروض بمعنى النّاحية و الشّعر من نواحي الأدب, و الثّالث أنّه ألهم هذا العلم و هو في مكّة و من أسمائها العروض فسمّاها بهذا الإسم20.

و على كلّ فإنّه علم يهتمّ بأوزان الشّعر و مكوّناتها فيستطيع من يكتب الشّعر الاستعانة بها حتّى لا يقع في أخطاء تتعلّق بالوزن فيخالف بذلك أشعار العرب و هي توقيفيّة.

و الفراهيدي هو أبو عبد الرّحمن الخليل ابن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي الأزدي اليحمدي, و لد في عمان سنة 100 ه (716 م), و ترعرع و عاش حوالي سبعين سنة في البصرة. و كان ذا خلق نبيل ذا عفّة و صدق, و قد عاش عفيفا فقيرا ينقع الخبز اليابس في الماء ليسهل عليه أكله –جزاه الله خيرا, و كان تلامذته يكسبون المال الكثير من علمه. و يكفينا ما قاله عنه الأصفهاني "إنّ دولة الإسلام لم تخرج أبدع للعلوم التي لم يكن لها عند علماء العرب أصول من الخليل و ليس على ذلك برهان أوضح من علم العروض الذي لا عن حكيم أخذه و لا عن مثال تقدّمه احتذاء و إنّما اخترعه من ممر له بالصّفارين من وقع مطرقة طست"21.

و من إبداعاته ابتكاره لأصول اللغة و علم القواميس في كتابه العين. و هو مبدع في الألحان.

و من أشعاره22 :

إن لم يكن لك لحم...كفاك خلّ و زيتُ

أو لم ذا و هــــذا.. فكـسرة و بـــيــيْت

تظلّ فيه و تأوى...حتّى يجــيئك موت

هذا عفاف و أمن...فــلا يــغـرّك لـيت

و قوله:

اِعمل بعلمي و إن قصّرت في عملي...ينفعك علمي و لا يضْررْك تقصيري

و انظر لنـــفســـك فيـــمـــا أنـــت فاعـــله...من الأمــــــور و شـــمــّـــر فـــوق تشميري

و كذلك:


لو كنت تعلم ما أقول عذرتني...أو كنت تعلم ما تقول عذلتكا

لكن جـــهلـــت مقالتي فعذلتني...و علمت أنّك جاهل فعذرتكا

و يرجع إليه علم المخارج و الحروف الذي سنمرّ عليه لاحقا.

و قد توفّي رحمة الله عليه عام 170 ه (786 م) رحمة الله عليه و ما يزال رائدا لعلم العروض و أميرا لأبحر الشّعر.


1-1-4

أبحر الشّعر:

تشكّل الأوزان الشّعريّة التي وضعها الفراهيدي ما عدده خمس عشر بحرا, و قوامها التّفعيلات الثّمانية و هي "فاعلُنْ, فعولُنْ, مسْتفْعلنْ, مفاعيلنْ, مفاعلتُنْ, متَفاعِلنْ, فاعلاتنْ, مفْعولاتنْ".

و الأبحر المتشكّلة انطلاقا من ذلك هي:

بحر الطّويل: طويل له دون البحور فضائل...فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلن

بحر المديد: لمديد الشّعر عندي صفات...فعلاتن فاعلن فاعلاتن

بحر البسيط: إنّ البسيط لديه يبسط الأمل مستفعلن فعلن مستفعلن فعلن

بحر الوافر: بحور الشّعر وافرها جميل...مفاعلتن مفاعلتن فعولن

بحر الكامل: كمل الجمال من البحور الكامل...متفاعلن متفاعل متفاعلن

بحر الهزج: على الأهزاج تسهيل...مفاعيلن مفاعيلن

بحر الرّجز: في أبحر الأرجاز بحر يسهل...مستفعلن مستفعلن مستفعلن

بحر الرّمل: رمل الأبحر ترويه الثّقات...فعلاتن فعلاتن فعلاتن

بحر السّريع: بحر سريع ما له ساحل...مستفعلن مستفعلن فاعلن

بحر المنسرح: منسرح فيه يضرب المثل...مفتعلن مفعولاتن مفتعلن

بحر الخفيف: يا خفيفا خفّت به الحركات...فاعلاتن مستفع لن فعلاتن

بحر المضارع: تعدّ المضارعات...مفاعيل فاع لاتن

بحر المقتضب: اِقتضب كما سألوا...مفعلات مفتعلن

بحر المجتثّ: اِجتثّت الحركات...مستفع لن فعلاتن

بحر المتقارب: عن المتقارب قال الخليل...فعول فعول فعولن فعولن

(بحر المتدارك: حركات المحدث تنتقل...فعلن فعلن فعلن فعلن)

هاته أبحر الشّعر العربي كما جمعها صفي الدّين الحلي. و بحر الطّويل هو بحر معلّقتنا.

و لهذا العالم علوم أخرى نبغ فيها و أفاد منها صفات و مخارج الحروف.


1-1-5

صفات و مخارج الحروف:

يهدف علم المخارج و الصّفات23 - و مؤسّسه الخليل ابن أحمد الفراهيدي- إلى إتقان الحرف العربي نطقا و الحفاظ عليه من كلّ تحريفات قد تطاله, من جرّاء تقدّم الزّمان و ما يحدث خلاله من بعد عن اللّسان العربي و منابعه, واختلاط العرب بغيرهم من الأمم, بسبب إسلام طائفة من الأعاجم و هجرة أخرى إلى بلاد الإسلام, و تغرّب العرب كما يحدث في عصرنا هذا, و كثرة التّعاملات و المبادلات في مختلف المجالات منها التّجارة و العلوم, خاصّة في ظلّ ما يشهده عصرنا هذا من تطوّر لوسائل الاتّصال.

و يعدّ الحرف أساس اللّغة و منبعها, فبه تتشكّل و تتميّز عن غيرها. و هو طرف الشّيء و غاية كلّ شيء حرفه24. و مادّته الصّوت, و اسمه ما يدلّ على ذاته لفظا ليميّزه عن غيره من الحروف.

و مخرج الحرف هو محلّ خروج الحرف الذي ينقطع عنده الصّوت تقديرا (حروف المدّ) و تحقيقا.

و صفته تعرّف على أنّها الحالة التي تعرض للحرف عند النّطق به, و هي ما يميّزه عن سائر الحروف. و من فوائدتها25 تمييز الحرف عن غيره26, معرفة القويّ من الضّعيف, تحسين لفظها و تجميلها.

و منها الصّفات الأصليّة و منها العارضة. فأمّا الأصليّة فإنّها ملازمة للحرف لا تفارقه على أيّ حال كالقلقلة و الجهر و الهمس, و غيرها, وعددها سبع عشر و هو رأي الجمهور. و تنقسم إلى المتضادّة (التي لها ضدّ كالتّفخيم و التّرقيق) و غير المتضادّة (كالقلقلة و الغنّة). و هي الجهر، وضده الهمس, الرخاوة، وضدها الشدة وبينهما صفة التوسط, الاستفال وضده الاستعلاء, الانفتاح وضده الإطباق, و أخيرا الإصمات وضده الإذلاق.

و العارضة هي التي تعرض للحرف في بعض الأحوال و تفارقه في أخرى كالتّفخيم و التّرقيق و الإدغام و الإخفاء و غيرها. و عددها تسعة و هي الصفير, القلقلة, اللين, الانحراف, التكرير, التفشّي و الاستطالة.

و سنعود إلى هذا الباب بشيء من التّفصيل في مرحلة الوحدات الصّفاتيّة و دورها في الجرس.


1-1-6

اِجتماع علم العروض و الإيقاع و علم المخارج و الصّفات عند الخليل:

مّما يستوقفنا بعد عرض لمفهوم العروض و الأوزان و علم المخارج و الصّفات, هو اجتماع هاته الأصناف من العلوم عند الخليل ابن أحمد, و يحثّنا على معرفة السّبب في ذلك. و مّما لا شكّ فيه أنّ لهاته العلوم عناصر و أصول مشتركة, تتجلّى في نشوء الإيقاع و تميّزه, و هي تدور بين الأصل و الفرع. ففي الشّعر الأصل فيه الأوزان و تأتي صفات الحروف فرعيّة لتضفي عليه عناصر جديدة و تقوم إمّا بتزيينه أو شينه, و في النّثر العكس بحيث تحتلّ الحروف مرتبة الأصل و هي ما يحدّد الجرس فيه و يأتي الوزن فرعيّا غير ملزم, فقد يتخلّل النّثر في بعض الأحايين أجزاء قد تتّفق في الوزن مع الشّعر, و قد تكون مقفّاة. و من هنا يتبيّن أنّ العروض و الإيقاع و علم المخارج و الصّفات كلّها تنبع من موهبة واحدة فذّة أساسها الأصوات, كيفيّة حدوثها و طريقة ترتيبها27.-

و بعد بسط لمختلف المفاهيم العامّة الأساسية و التي تعدّ من قواعد بناء القصيدة على وجه الخصوص, فإنّه يتعيّن استعراض المفاهيم الخاصّة المتعلّقة بالدّراسة.


الخطّ الثّاني: مفاهيم و مصطلحات خاصّة

يمرّ بحثنا في بدايته بعرض المفاهيم و المصطلحات الخاصّة بالدّراسة وهي "الوحدة الإيقاعيّة" و التي تتفرّع عنها الوحدات الثّلاث "الأبحريّة" و "الصّفاتيّة" و "الحركيّة". كما يمرّ بمفهوم "الاضطراب" بشقّيه "التّموّج" و "الانحدار" الذي يمثّل ركنا أساسيّا فيه و يكاد يشمله بصورة كاملة. و يتطرّق في مراحله المتقدّمة إلى مفهوم "التّجانس الإيقاعي", "الاضطراب التّراكمي", و "البحر –أو الوزن- الإيقاعي", و كذلك "التّموّج الافتراضي" الذي يشكّل بعدا مميّزا فيه. ليرسو أخيرا عند مصطلح.."المقياس الثّلاثي" الجامع لمختلف مكوّناته.

و قد جاءت هاته العناصر كضرورة بسبب تطرّق الدّراسة إلى أبعاد جديدة, ممّا يستوجب إمداد كلّ منها بالمفاهيم و المصطلحات اللّازمة حتّى تتّضح معالمه و تتجسّد مفترضاته, و تستقرّ أجزاؤه بتحقيق النّتائج المنتظرة.

1-2-1

الوحدة الإيقاعيّة الأبحريّة

الوحدة الإيقاعيّة الأبحريّة هي تلك الوحدة الأوّليّة المشكّلة للجرس في إطار بحر معيّن و تكون إمّا سببا, أو حركة.

و قد ارتأينا أن نرتكز فيها على أدنى المراتب الإيقاعيّة المشكّلة للنّغم بحسب الحركة و المدّ و السّكون. فجعلنا الحركة المنفردة وحدة, و جعلنا الحركة الموصولة بالسّكون وحدة, كما جعلنا الحركة الموصولة بالمدّ وحدة مستقلّة, كونه لا يمكننا اعتماد السّكون منفردا من حيث تعذّر ابتداء اللّفظ به في اللّسان العربي, كما لا يمكننا اعتماد المدّ منفردا....

أ – الحركة : هي تلك الوحدة الإيقاعيّة الأوّلية التي يتشكّل منها اللّفظ و تتشكّل من حرف منفرد – دون المدود- متحرّك مثل "بَ". و قد جعلنا لها القيمة العدديّة "1" كونها أقلها زمنا.

ب – السّبب السّاكن: هو تلك الوحدة الإيقاعيّة الأوّلية التي يتشكّل منها اللّفظ و تتشكّل من حرفين متتاليين – دون المدود- أوّلهما متحرّك و الآخر ساكن مثل "مِنْ" ,و هو ما يقابل السّبب الخفيف. و قد جعلنا له القيمة العدديّة "2" كونه أوسطها زمنا على العموم.

ج – السّبب المدّي: هو تلك الوحدة الإيقاعيّة الأوّلية التي يتشكّل منها اللّفظ و تتشكّل من حرفين متتاليين أوّلهما متحرّك – دون المدود- و الآخر حرف مدّ (حرف علّة) مثل "ما". و قد جعلنا له القيمة العدديّة "3" كونه أكثرها زمنا.

و قد أهملنا عمدا الوتد الذي يتشكّل في حقيقة الأمر من هاته المقاطع و لا نرى له أثرا في دراستنا للجرس. فدراسة مقطع "تَرَكْ" تقتضي دراسة الحركة "تَ" و دراسة السّبب السّاكن "رَكْ".

و لكن و مهما يكن الوحدة المعتمدة, فإنّ الهدف من هذا الكتاب هو بيان أسباب الجرس في الشّعر العربي العمودي, و قد يتأتّى هذا انطلاقا من هذا التّقسيم أو من غيره شريطة أن يُعتمد في سائر مراحل البحث.

1-2-2

الوحدة الإيقاعيّة الصّفاتية:

الوحدة الإيقاعيّة الصّفاتيّة هي تلك الوحدة الأوّليّة المشكّلة للجرس في إطار صفاتيّ للحرف, و تكون إمّا وحدة إيقاعيّة قويّة و قد جعلنا لها القيمة العدديّة "5" كونها أكثرها قوّة, و إمّا وحدة إيقاعيّة متوسّطة تميل إلى القوّة و قد جعلنا لها القيمة العدديّة "4", و إمّا متوسّطة توسّطا حقيقيّا و قد جعلنا لها القيمة العدديّة "3", و إمّا ضعيفة و قد جعلنا لها القيمة العدديّة "2" و إمّا شديدة الضّعف و قد جعلنا لها القيمة العدديّة "1". و يحدّد مقدار قوّة كلّ وحدة منها الصّفات المكوّنة لها, و مثال ذلك حرف الطّاء و هو يمثّل وحدة إيقاعيّة قويّة (المقابلة للعدد 5) كونه يميّزه صفات القوّة دون سواها, و هي الجهر و الشدة و الاستعلاء و الإطباق و القلقلة. و من الأحرف من يميّزه صفات الضّعف فقط و منها ما هو بين صفات القوّة و صفات الضّعف.


1-2-3

الوحدة الإيقاعيّة الحركيّة:

الوحدة الإيقاعيّة الحركيّة هي تلك الوحدة الأوّليّة المشكّلة للجرس في إطار حركي بحت للحرف, و تكون إمّا وحدة إيقاعيّة كسريّة و قد جعلنا لها القيمة العدديّة "1", و إمّا وحدة إيقاعيّة سكونيّة و قد جعلنا لها القيمة العدديّة "2", و إمّا وحدة إيقاعيّة ضمّيّة قد جعلنا لها القيمة العدديّة "3" , و إمّا وحدة إيقاعيّة فتحيّة و قد جعلنا لها القيمة العدديّة "4".


1-2-3

الانحدار

الانحدار28 هو ذلك الانتقال بين الوحدات الإيقاعيّة المتتابعة بصورة عمودية و متقابلة خلال القصيدة و بصورة مستقلّة عن بنية البيت. و هو الانتقال من الوحدة الإيقاعيّة الأعلى في البيت إلى الوحدة الإيقاعية الأدنى في البيت الموالي و التي تقع أسفلها مباشرة. مثل لفظ "قِفا" و أسفله "فَتو (ضح)", فالحركة "قِــ" تليها الحركة "فَــ", و السّببين المدّيين "فا" و "تو" متتاليين عموديا و هم أوّل تشكيلة للمنحدر.


1-2-4

الاضطراب:

نقصد الاضطراب هو ذلك التّغيّر الذي يحصل – هبوطا و صعودا- جرّاء الانتقال من وحدة إيقاعيّة إلى أخرى عبرّ المرور خلال البيت و خلال القصيدة. و ينتج منه أنواع عدّة:

أ – الإضطراب الأبحري:

نقصد به ذلك الاضطراب الذي يحدث جرّاء الانتقال من وحدة إيقاعيّة أبحريّة إلى أخرى عبر المرور خلال البيت و خلال القصيدة مثل "لَيْــ"-"تَــ"-"ري", و هي وحدات تمثّل على التّوالي سببا ساكنا, حركة و سببا مدّيّا.

و هو نوعان, تموّج أبحري, و انحدار أبحري.............

أ-1 التموّج الأبحري: هو ذلك الاضطراب الذي يحدث جرّاء الانتقال من وحدة إيقاعيّة أبحريّة إلى أخرى عبرّ المرور خلال البيت الواحد –دون القصيدة- مثل "لَيْــ"-"تَــ"-"نا". و هو أفقي.

أ-2 الانحدار الأبحري: هو ذلك الاضطراب الذي يحدث جرّاء الانتقال من وحدة إيقاعيّة أبحريّة إلى أخرى خلال العمود أو المنحدر الواحد–دون البيت- مثل "قـِـ"-"هَلْ"-"لَا". و هو عمودي.

ج- الإضطراب الصِّفاتي:

نعني به الاضطراب الذي يحدث نتيجة للانتقال من وحدة إيقاعية صفاتية إلى أخرى, و هو بنوعيه التّموّج و الانحدار.

د- الإضطراب الحركي:

نعني به الاضطراب الذي يحدث نتيجة للانتقال من وحدة إيقاعية حركيّة إلى أخرى, و هو بنوعيه التّموّج و الانحدار.


1-2-5

التّموّج الافتراضي:

و هو ذلك التّموّج الذي يحدث بسبب الانتقال بين كمّيات مجاميع قيم الوحدات الإيقاعيّة الأبحريّة الخاصّة بالأبيات (انطلاقا من قيم كلّ وحدة من 1 إلى 3) . و المقصود بالكمّيّات هو عدد المجاميع المتماثلة كلّ على حدى29.

1-2-6

التّجانس الإيقاعي:

يقصد بالتجانس الإيقاعي ذلك التّوافق الجرسي الذي يحدث بين الأبيات المعيّنة – أو الأشطر- حين حدوث الاضطراب. فهو يميّز كلّ مجموعة منها بنسق اضطراب متمايز, و هو بأنواعه الثّلاث, الأبحري, الصّفاتي و الحركي.


1-2-7

الاضطراب التّراكمي:

نقصد به النّغم و الطّرب الذي يحدث نتيجة لتتابع الأبيات – أو الأشطر- على المتلقّي, و يكون تراكميّا بحيث يرتفع و يتميّز كلّما ازداد عددها, و يبلغ مداه عند آخر شطر.


1-2-8

البحر أو الوزن الإيقاعي اللّفظي:

نقصد به تلك التّشكيلات من التّفعيلات التي تدخل في إطار بحر معيّن ليكوّن كلّ منها نمطا جرسيّا متميّزا.

1-2- 9

المقياس الإيقاعي الثّلاثي:

و هو ذلك المخطّط الثّلاثي المتشكّل من الوحدات الإيقاعيّة الثّلاثة و هي الأبحريّة و الصّفاتيّة و الحركيّة و الذي يحدّد التّشكيلة و الصّبغة الجرسيّة.

بعد عرض لمختلف المفاهيم و المصطلحات الخاصّة بالكتاب و فق نهج نظري, و التي سنرجع إليها بالدّراسة التّطبيقيّة, فإنّه يتعيّن في هاته المرحلة عرض المنهج المتّبع.


الخطّ الثّالث: المنهج العلميّ للدّراسة

يعتمد منهجنا في هاته الدّراسة على القواعد التّاليّة الذّكر:

- اعتبار الجرس – بمكوّناته- في الشّعر العربي من المفاهيم الكيفيّة الممكن تكميتها و التّعبير عنها بقيم تمثيليّة محدّدة.

- خضوع هاته القيم إلى مختلف آليات الحساب و إمكانيّة استخراج نتائج منها.

- ترجمة هاته النّتائج إلى تعابير أدبيّة –كيفيّة أساسا- و إعادة مجرى الدّراسة إلى بوتقته الأصليّة. و هي الدّراسة الأدبيّة و الفنّيّة.


1-3-1

من حيث اعتبار الجرس خاضعا لمبدأ التّكمية:

نقصد بالتّكمية إعطاء قيم كمّيّة لمكوّنات الجرس التي سبق المرور بها, وهي قيم تقريبيّة لا تعبّر بالضّرورة عن القيمة الفعليّة للمكوّن30 و التي من شأنها تمهيد الطّريق للدّراسة الحسابيّة, فهي التّرجمة العدديّة و الوسيط بين وسائل الحساب و الجانب الأدبي و الفنّي للجرس في الشّعر العربي العمودي. فقد تختلف القيم المقابلة لمختلف الوحدات الأدبيّة, المجرّدة عن سياقها الجرسي العامّ المشكّلة له, من منهج لآخر, و لكن يكمن هدفها كلّها في توضيح أسباب الجرس و جماليّته.

فتجريد الوحدة الأدبيّة, الجرسيّة هنا – مثل السّبب و الصّفة و حركة الحرف, مرحلة أساسيّة هدفها جعل كلّ من هاته الوحدات بمنأى عن التأثيرات الملازمة للوحدات الأخرى فيما لو أنّها بقيت مرتبطة بها أو متّحدة معها في سياقها العامّ. ففصل صفة الحرف عن حركته (من ضمّ و نحوها) و عن الوحدة الأبحريّة (من سبب ونحوه و تشكيلته الزّمنيّة) و عن و المعنى اللّفظي, شرط أساسيّ لإحداث دراسة مستقلّة لكلّ منها بعيدا عن التأّثيرات المتبادلة, و لو أنّه أدبيا يستحيل الفصل بينها حيث لا يُتخيّل حرف من دون تشكيلة زمنيّة أو من دون صفة أو حركة. ولكن يتعيّن في الأخير إعادة إدراج كلّ وحدة في إطارها الأصليّ, ممّا يمكّن من الحصول على رؤية شاملة للجرس وفق مكوّناته الثّلاث, أو الأربع أذا ما أخذنا الجانب اللّغوي بعين الاعتبار.

و تجريد الوحدة الأدبيّة يعتمد على تفكيك اللّفظ المكوّن للبيت الشّعري إلى أدنى مستوياته الممكنة...وفق مكوّنات الجرس المتاحة, ثمّ يتمّ تعريف كلّ وحدة و دورها في إنشاء و تميّز الجرس و يتمّ بعدها إعطاؤها القيمة العدديّة المناسبة حسب طبيعتها و وفق درجات مختلفة.

و اللّفظ مكوّن كما هو معلوم من كلمات و حروف كحروف الجرّ و الوصل, و هي مكوّنة بدورها من الحروف العربيّة الثّماني و العشرين من الألف إلى الياء, و الحرف العربي مكوّن أيضا من زمن و صفة و حركة و هي مناط التّجريد.


Purchase this book or download sample versions for your ebook reader.
(Pages 1-28 show above.)